حتّى لو انتهت اليوم: حرب الخليج ستغيّر اقتصاد العالم -- Apr 09 , 2026 29
سواءً استقرّ الوضع في منطقة الخليج العربي على وضعيّة الهدنة الهشّة، أو عاد ليشهد التصعيد الواسع النطاق، ستغيّر حرب الخليج اقتصاد العالم لسنواتٍ مقبلة. لقد أدّت الحرب إلى إقفال مضيق هرمز، وكشفت خطورة تركّز سلاسل التوريد في تلك المنطقة، كما أسهمت في رفع أسعار النفط والغاز. إلا أنّ أخطر التداعيات سترتبط بالدمار الذي لحق بالبنية التحتيّة البتروليّة، التي ستحتاج إلى أكثر من خمس سنوات للتعافي. أمّا الأهم، فهو أنّ تأثيرات الحرب لن تقتصر على أسواق الطاقة العالميّة، بل ستطال معدلات التضخّم وبنية الفوائد لفترة طويلة، وهذا ما سيلقي أعباءً جديدة على جميع اقتصادات العالم، وبمستوياتٍ متفاوتة.
تحوّلات التضخّم والفوائد
لقد كان استهداف البنى التحتيّة المرتبطة بإنتاج وتكرير النفط والغاز، في إيران ودول الخليج العربيّة، أحد أخطر أوجه الحرب. فهذه الاستهدافات، ستترك أثرها على القدرة الإنتاجيّة لتلك الدول لسنوات مقبلة، بانتظار معالجة الأضرار بشكلٍ كامل. وفي حالة إيران بالذات، قد لا تسمح العقوبات باستقدام الاستثمارات الكافية لتجاوز هذه الإشكاليّة، أو بتعبئة الموارد الماليّة اللازمة لذلك. في جميع الحالات، ستترك الحرب نتائج يصعب تجاوزها قريبًا على مستوى توازنات العرض والطلب، في أسواق الطاقة، ما سيترك خللاً على مستوى الأسعار على المدى البعيد.
هذه التداعيات، تُعد من مولّدات التضخّم البديهيّة، نظرًا لارتباط كلفة النفط بتسعير جميع السلع والخدمات في السوق. ولتضخّم الأسعار على المستوى العالمي نتائجه السريعة على أسواق الدول الناميّة، وخصوصًا الدول الشديدة الاعتماد على الاستيراد. فهذا التطوّر سيرفع من عجوزات ميزان المدفوعات، والعجز التجاري، ما سيؤدّي إلى استنزاف احتياطات هذه الدول، فضلاً عن الضغط على أسعار صرف عملاتها المحليّة. ولبنان هو أحد هذه الدول، التي بدأت تتلمّس أثر استنزاف احتياطات المصرف المركزي، جرّاء عدّة عوامل، ومنها ارتفاع كلفة الاستيراد.
لكن من جهة أخرى، سيكون للتضخّم آثار من نوعٍ آخر. فهذا الواقع المستجد سيفرض على الاحتياطي الفيدرالي، وغيره من المصارف المركزية، اللجوء إلى سياسات نقديّة أكثر تشددًا، ما يعني رفع أسعار الفائدة للحد من هذا التضخّم. ولهذا التوجّه أثره على الدول النامية أيضاً، لكون معظم ديون الدول حول العالم مقوّمة بالدولار. مع رفع معدلات الفائدة، سترتفع كلفة خدمة هذه الديون، ما سيؤثّر على الاستقرار المالي العالمي، ويزيد العبء على الميزانيّات العامّة في الدول ذات المديونيّات المرتفعة. وفي النتيجة، ستتراجع قدرة هذه الدول على الإنفاق على الأولويّات الاجتماعيّة، لحساب خدمة الديون العامّة.
تكرار لتجربة السبعينات
في واقع الأمر، لقد أشار هنري توغندهات في مجلّة "فورين أفّيرز"، صباح يوم أمس الأربعاء، إلى تجربةٍ مماثلة في سبعينيات القرن الماضي. يومها، أدى قطع إمدادات النفط العربي، خلال حرب 1973، إلى ارتفاع الأسعار بشكل حاد، وساهم في موجة تضخم عالمية. ورغم أن تلك الحرب لم تكن السبب الوحيد لأزمة الأسعار، إلا أنّها جاءت في سياق اقتصادي مضطرب أصلًا على المستوى العالمي، وهذا ما أدّى إلى تفاقم الضغوط التضخميّة. وفق الكاتب، يشبه الوضع الحالي تلك الحقبة، من حيث تداخل المخاطر الجيوسياسيّة مع الضغوط الاقتصاديّة والماليّة الموجودة أصلاً.
في تلك الحقبة، لجأت الدول النامية إلى الاقتراض لتمويل عجزها. لكن رفع أسعار الفائدة الأميركية لاحقاً، لمكافحة التضخّم الناتج عن ارتفاع أسعار النفط، أدى إلى تفاقم الأزمة، حيث ارتفعت كلفة خدمة الدين إلى مستويات غير مستدامة. وهكذا، تسببت هذه السياسات في موجة تعثرات واسعة في صفوف الدول المقترضة. ثم بلغت الموجة ذروتها مع إعلان المكسيك عدم قدرتها على السداد في العام 1982، وهذا ما كشف عن أزمة ديون عالمية شاملة.
في النتيجة، وبسبب تلك الاضطرابات، كان على الدول المأزومة اللجوء إلى برامج صندوق النقد الدولي، ما أجبرها على اعتماد سياسات تقشّفية قاسية. وهذا ما أضعف اقتصاداتها، وأدّى إلى تراجع الخدمات الاجتماعيّة والاستثمار الإنتاجي. وقد عُرفت تلك المرحلة بالعقد الضائع، إذ استغرق تعافي بعض هذه الدول أكثر من عقدين من الزمن.
بات اليوم المشهد أكثر تعقيدًا. ففي السابق، كانت الديون متركزة لدى عدد محدود من المصارف الكبرى، أما اليوم فهي موزعة بين أطراف متعددة، تشمل مستثمرين خاصين وصناديق استثمار ومؤسسات مالية، إضافة إلى الصين التي أصبحت أكبر مقرض ثنائي للدول النامية. كما أن جزءاً كبيراً من هذه الديون لا يزال مقوّماً بالدولار، ما يجعل الدول النامية عرضة لتقلبات السياسة النقدية الأميركية.
وقد ظهرت هذه الهشاشة بوضوح خلال جائحة كورونا، حين أدت موجة التضخم إلى رفع الفائدة، ما دفع بعض الدول مثل سريلانكا وغانا إلى التعثر. في ضوء ذلك، قد تكون أزمة الديون المقبلة أكثر تعقيدًا وطولًا من أزمة الثمانينات، بسبب تعدّد الدائنين وصعوبة التنسيق بينهم، إضافة إلى الخلافات بين الصين والمؤسّسات الماليّة الغربيّة حول كيفيّة توزيع الخسائر.
مخاطر الركود التضخمي في الغرب
في أسواق الاقتصادات المتقدمة، لا تبدو الأمور أفضل حالًا. في الولايات المتحدة، ارتفع العائد الذي يطلبه المستثمرون على سندات الخزانة الأميركيّة من 4 بالمئة قبيل التصعيد، إلى أكثر من 4.4 بالمئة بحلول 27 آذار الماضي. ولم يقتصر الأمر على الولايات المتحدة الأميركيّة، إذ شهدت جميع أسواق المال الغربيّة اضطرابات مماثلة. في بريطانيا مثلاً، تجاوز العائد على السندات البريطانيّة حدود الـ 5.1 بالمئة، ما شكّل أعلى مستوى له منذ أزمة العام 2008.
وسبب ارتفاع عائد هذه السندات واضح، كما أشار تقرير "ذا إكونوميست" يوم أمس الأربعاء. فعندما يتوقع حاملو السندات ارتفاع التضخم، يطالبون بعوائد أعلى على السندات، أولاً لتعويض تآكل القوة الشرائية لأموالهم، وثانيًا لتوقعهم قرارات رفع الفوائد من قبل المصارف المركزيّة، لكبح التضخم. وهكذا، ارتفع العائد على السندات في الدول الغربيّة، نظرًا لتوجّس المستثمرين من الضغوط التضخميّة المقبلة، بعد التصعيد في منطقة الشرق الأوسط.
ووفق التقرير نفسه، تُظهر توقعات منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD) كيف تغيرت آفاق النمو والتضخم بفعل الحرب. فقد رفعت المنظمة توقعاتها للتضخم في بريطانيا، بزيادة تراكمية تبلغ نقطتين مئويتين خلال العامين 2026 و2027. كما شهدت الهند، رغم أنها ليست ضمن مجموعة السبع، زيادات مشابهة في كل من توقعات التضخم وكلفة الاقتراض، نظراً لاعتمادها على استيراد الطاقة.
في الوقت الحالي، تتزايد المخاوف من تزامن الضغوط التضخميّة مع الركود الاقتصادي في الاقتصادات المتقدمة، وهو ما يفترض أن يضع المصارف المركزية أمام خيارات صعبة. فرفع معدلات الفائدة، لضبط مستوى التضخّم، سيزيد من مستويات الركود الاقتصاديّة. أمّا الإبقاء على سياسات نقديّة متراخية، لدعم النشاط الاقتصاديّ، فسيفاقم من مستويات التضخّم. وبطبيعة الحال، كلما تأخّر فتح مضيق هرمز، زادت مخاطر العاملين معًا، أي التضخّم والركود، ما ينذر بحصول أزمة اقتصاديّة عالميّة جديدة.
علي نور الدين - المدن